لأني واثق بمن آمنت

Oct 30, 2011

قال احدهم “لا يوجد هناك ما يسمى بالمجتمع الكامل، سيكون هناك احباطات، ناس في غاية الصعوبة للتعامل معهم، خبرات مؤلمة وجروح نتعلمها طوال رحلتنا. ولكوننا مجتمع مسيحي في هذا العالم، نحتاج الى عزيمة، وقوة، وصلابة لمواصلة البناء بحماس، في مواجهة واقع مختلف ومتغير. سيكون هناك اعتراضات، وعنف، وتدمير، ومقاومة، ولكن عندما نفهم من نحن وما هو رجاؤنا وإيماننا، سنبني، وسنستمر، حتى اذا كنا شخصين او ثلاثة.”

وهذه الكلمات لا بد وان نتأمل فيها بكل صدق وإخلاص. فكيف لنا ان نبني عندما يهدم الآخرين ؟ وكيف نستمر في غياب القدوة والمثل؟ كيف نثبت صامدين امام تيارات كثيرة عندما ينهار الآخرون؟ كيف نستمر في الحرب عندما يستسلم الكثيرون؟ وكيف نستمر في الزراعة اذا لم يكن هناك ثمر؟

يعيش الكثيرون من المؤمنين بطريقة “الترمومتر”. وكما نعرف جميعنا ان الترمومتر يغير قراءته، إرتفاعا إنخفاضا بحسب درجات حرارة الأماكن الموجود بها. مع الأسف هناك كثيرون من المسيحيين يعيشون بهذه الطريقة. فتتأثر حياتهم الروحية بالإرتفاع او الإنحفاض بناء على الظروف، واحوال الآخرين الروحية.

لكن غرض الرب من نحونا ان لا نتغير بتغير الظروف اوبتغير الناس. لقد اوضح الرب دورنا في الموعظة على الجبل “نور للعالم، وملح للأرض”، فقال الوحي عن النور “وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ.” (يوحنا 1: 5). وبهذا يكون دور المؤمن مثل الترموستات وليس الترمومتر، يثبت نظره وايمانه على الحق، ويرفع الآخرين لهذا المستوى مهما طال الوقت، ومهما كانت التكلفة، ولا ينزل عنه من اجل الظروف او الآخرين.

بولس الرسول واثناء وجوده في السجن سمع عن تيموثاوس انه يواجه بعض التحديات والمقاومات التي تحاول ان تفشله وتجعله يتراجع عن خدمته: فَلِهذَا السَّبَبِ أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ، لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ. فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ اللهِ، الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ. الَّذِي جُعِلْتُ أَنَا لَهُ كَارِزًا وَرَسُولاً وَمُعَلِّمًا لِلأُمَمِ. لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ. تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا.” (2تيموثاوس 1: 6ـ 12)

فالرسول بولس ارسل إلى تلميذه تيموثاوس، والذي يقول عنه في نفس الأصحاح انه “الإبن الحبيب”(ع2)، ويصفه بأن إيمانه عديم الرياء (ع5)، ليشجعه ويقويه في وسط ظروف صعبة وتعرضه لمقاومات شديدة، والتي يرى الرسول بولس انها سببت لتيموثاوس روح فشل، وخجل بشهادة ربنا، وايضا بسجن بولس. وروح الفشل الذي تكلم عنها الرسول بولس في (ع 8)، ربما كان يقصد بها الضعف، او الإستسلام، اوالخوف، اوفقدان الشجاعة.

لكن لماذا تكونت عند تيموثاوس روح الفش؟

  • ربما شعر تيموثاس بروح الفشل بسبب حجم المسئوليات التي كانت على عاتقه في الخدمة، او بسبب المعارضة والتصادم والإهانات التي يلقاها سواء داخليا من افراد كنيسته او من خارجها، قد تؤدي الإستسلام والتراجع.
  • او ربما شعر بروح الفشل نتيجة للخجل الذي كان يشعر به بشهادة ربنا (ع8)، وبالخجل من سجن بولس. وكلمة خجل تأتي بمعنى عار. فكان المعترضون يسخرون منه، كيف يكرز بشخص في نظر القانون مجرم وقد حكم عليه بالموت؟
  • او لربما شعر تيموثاوس بروح الفشل بسبب غياب القدوة الروحية او المؤمن الحقيقي، فلم يكن من حوله من يقويه ويشجعه على مهمته، مع عدم رؤية اي نتائج او ثمار لخدمته.

لم يقبل الرسول بولس لتلميذه الحبيب تيموثاوس ان يشعر بالفشل، ويتراجع عن خدمته ورسالته، وعن حياته الأمينة بسبب الظروف الخارجية، او بسبب المضادين له ولخدمته (يعيش بطريقة الترمومتر)، . لذلك نجده يرسل له بهذه الرسالة و يقدم فيها ثلاث افكار رئيسة كطريق للتغلب على روح الفشل، والخجل، حتى يستطيع ان يثبت بكل قوة امام الظروف الصعبة وامام المضادين (مثل الترموستات) 

1ـ الإعتماد على الروح القدس، روح القوة والمحبة والنصح: (ع 7)

فيقدم بولس لتيموثاوس الحل الوحيد لمواجهة روح الفشل وهو انه لابد وان يضرم موهبة الله التي فيه. و”يضرم” بمعنى يعيد اعتبار، او يعيد إستخدام، او اشعال اوالإتكال على الروح القدس، روح القوة والمحبة والنصح. فقد يكون تيموثاوس انشغل بمسؤليات الخدمة وترك جلسته مع الله وعلاقته الشخصية معه من خلال قراءة وفهم الكلمة المقدسة والتحدث اليه لطلب المشورة والحكمة. وقد يكون قد اعتقد خطأ انه يقوم بكل هذه المهام وحده وليس هناك شخصا آخرا بجواره ليساعده ويشجعه.

روح التراجع والإستسلام واليأس تأتي عندما نتنازل عن عشرتنا وعلاقتنا مع الله وكلمته. فالروح القدس هو مصدر التشجيع والحماس (روح القوة). والروح القدس يعطي قدرة على محبة المعترضين والمجادلين والأعداء (المحبة). كما ان الروح القدس هو مصدر التشكيل والتلمذة ليعطي لشخصياتنا قدرات تتناسب مع متطلبات الخدمة. (النصح self disciplen)

2- معرفة وتقدير ما فعله الله من أجله: (ع 9- 11)

كما ارسل الرسول بولس برسالته حتى يذكر تلميذه تيموثاس بما علمه الله من اجله. فقد خلصنا، ودعانا دعوة مقدسة على أساس نعمته وليس على اساس اعمالنا، وكيف انه تجسد في المسيح كي يتمم خلاصنا، ثم ابطل الموت وانار الحياة والخلود امامنا.

روح التراجع والإستسلام واليأس تأتي عندما ننسى ما فعله الله من اجلنا. خدمتنا وسلوكنا يجب ان تكون رد فعل محبة الله وما فعله من رحمه وخلاص لأناس غير مستحقين مثلنا، وليس رد فعل الآخرين او الظروف لنا.

3- الثقة والإيقان بمن آمن به: 12)

بولس يؤكد انه يثق في هذا الإسم العظيم القادر ان يحفظ وديعته إلى اليوم الذي يقف امامه ليعطي حساب لوكالته او لخدمته. يؤكد الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس ان ثقته في اسم يسوع يمثل بالنسبة له الصخرة التي يقف عليها صامدا اما كل التحديات والظروف والألآم والاضطهادات.

دعني اختم معك بإعادة هذه الكلمات التي بدأت بها في بداية حديثي هذا اليوم:

لا يوجد هناك ما يسمى بالمجتمع الكامل؛ سيكون هناك احباطات، ناس في غاية الصعوبة لنتعامل معهم، خبرات مؤلمة وجروح نتعلمها طوال رحلتنا. كوننا مجتمع مسيحي في هذا العالم يحتاج الى عزيمة، وقوة وصلابة لمواصلة البناء بتشجيع في مواجهة واقع مختلف ومتغير. سيكون هناك اعتراضات، عنف، تدمير، مقاومة، ولكن عندما نفهم من نحن وما هو رجاؤنا وإيماننا، سنبني، سنستمر، حتى اذا كنا شخصين او ثلاثة مجتمعين.

Rev. Nashaat William Khalil