Blessed be God

مبارك الله

Jul 3, 2012

“مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ.” (1بطرس 1: 3- 5)

يمر المؤمن بفترات تبرد فيها محبته لله وتضعف شهيته عن تسبيحه وعبادته. قد يكون السبب هو المرور بضيقات سواء كانت مالية او نفسية او صحية، او بسبب الإنشغال الزائد في العمل او الدراسة وغيرها. فقد يجد المؤمن في وسط هذه الأحداث انه فقد رغبته الصادقة وحماسه الشديد في تقديم الشكر والتسبيح والعبادة الائقة والمستمرة لشخص الله القدوس.

يرفع الرسول بطرس صوته بكل اصرار ليدعو المؤمنين ان يشاركوه في تقديم التسبيح لله قائلا: “مُبَارَكٌ اللهُ” اي “هيا نقدم الشكر والتسبيح والعبادة الله”. ولكن اليس هذا غريبا ان يكون عند الرسول بطرس مثل هذا الحماس والشهية المفتوحة للعبادة والتسبيح في ذلك الوقت العصيب الذي يمر به من الام وضيقات واضطهادات من اجل إيمانه بالمسيح؟

وليس هذا فحسب، بل انه يدعوا ايضا المؤمنين الموجودين في بنتس، وغلاطية، وكبدوكية، واسيا، وبثينية، ليشاركوه عبادة الله وتسبيحه. فنحن نعلم ان الرسول بطرس وكذلك المؤمنون الذين في هذه البلاد، كانوا يعيشون تحت الام ومعاناة كثيرة بسبب إيمانهم. فبعض منهم ربما طردوا من ديارههم، وسرقت ممتلكاتهم. وآخرون ربما القوا في السجون، او استشهدوا، او كانوا يعيشون في خوف وفقر وجوع واحتياج ومهانة. فكيف، وتحت هذه الظروف، يوجد اشخاص يكون ليدهم رغبة في عبادة الله بإستمرارية وبشهية مفتوحة وبحماس شديد؟ الم يكن الظلم والإضطهاد والفقر والإحتياج الذين لاقوه يكفي لكي يقتل حماسهم ويضعف شهيتهم عن العبادة والتسبيح؟

ان السر وراء هذه الرغبة الشديدة للعبادة والتسبيح يكمن في امرين:

الأمر الأول:

هو ان الرسول بطرس ذكر في الآية الأولى ان المؤمنين هم مواطنون سماويون يعيشون بصفة مؤقته في هذا العالم، ثم بعد ذلك ينطلقون الى وطنهم السماوي. فهم غرباء او ضيوف في هذه الدنيا، ولا بد ان يتركوا ارض غربتهم ويذهبوا الى وطنهم. لذلك عليهم ان يكونوا مستعدين للحظة الإنطلاق ولا ينشغلوا كثيرا بأمور هذه الدنيا. لذلك عاشوا حياتهم لا يهتمون ان يكنزوا لهم كنوزا ارضية، وينشغلون بزيادة ممتلكاتهم و ثرواتهم. فالمواطن السماوي هو فقط الذي تكون لديه الرغبة المستمرة في تقديم الشكر والتسبيح لله في كل الظروف ” لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا.” (متى 6: 21).

والأمر الثاني:

كما اوضحه الرسول بطرس، هو ان العبادة والتسبيح ليست مبنية على الظروف الخارجية. فأحوالنا وظروفنا تتغير لكن عبادتنا تستمر بحماس وبقوة في كل الظروف، وفي ايام الشبع كما في ايام الجوع، وفي ايام الشبيبة والقوة كما في ايام الشيخوخة والوهن، وفي ايام الصحة كما في ايام المرض، في ايام الولادة كما في ايام الموت. (جامعة 3: 1- 8)

لذلك نجد الرسول بطرس يؤكد ان دافع وسبب عبادته لله وتسبيحه المستمر له، هو شخص الله نفسه لأنه مستحق. فالعبادة والشكر والتسبيح ليسوا انعكاسا او نتيجة للظروف وانما انعكاسا ونتيجة لصفات الله وشخصه القدوس. فجميع المؤمنين في كل بقاع العالم، اغنياء وفقراء، في امان وسلام، وفي خطر وحرب ، وفي شبع وفي جوع، لابد وان يشتركوا بنفس واحدة بحماس مستمر وبرغبة شديدة في تسبيح الله وشكره.

يذكر الرسول بطرس بعض الأمور التي تشجعه وتحثه على تقديم العبادة والتسبيح والشكر الدائم:

اولا: محبة الله الكثيرة “الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ”

وهذه المحبة ظهرت في اختيار الله لنا وقبوله لخطاة مثلنا. فنحن لا نستحق هذه المحبة ولا نقدر ان نفعل شئ لكي نحصل عليها، “وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.” (رومية 5: 8). هذه المحبة العجيبة جعلت الله يأتي إلينا على الرغم من شرورنا وتعدياتنا. جاء إلى ظلام حياتنا وافكارنا، ليشرق علينا بنوره ويعطينا استنارة روحية. جاء إلى يأسنا واحباطنا، ليعطينا رجاء حي بالقيامة والحياة الأبدية. جاء ليحمل آلامنا و يقوينا على ضعفنا ويحول فشلنا إلى نصرة. جاء الينا برحمة كثيرة ليدفع ثمن خطايانا امام قضاء الله العادل و ليكشف لنا عن قلب الله المحب الأبوي.

لذلك نجد ان كل الآلام والإضطهادات التي مر بها القديس بطرس لم تنجح في ان تمنعه، او حتى تقلل حماسه، من ان يقدم التسبيح والشكر والعبادة اللائقة لشخص الله. فمن خلال العبادة والتسبيح والشكر، يختبر المؤمن السلام والتعزيات التي تجعله يتحمل بقوة وبثبات كل هذه الآلام التي يمر بها.

ثانيا: الميلاد الثاني “وَلَدَنَا ثَانِيَةً”

الميلاد الثاني هو النتيجة الطبيعية للإستجابة لهذا الحب. فهو حب إلهي عجيب يتفاعل مع حياة الإنسان ليخلق انسانا جديدا يكون له سمات روحية الهية. انسان يضع الله في مركز حياته ويعيش فقط لكي يعبد الله ويسبحه ويمجده ويخدمه. وجد الرسول بطرس دافع قوي لكي يقدم الشكر الدائم لله من اجل الميلاد الثاني والطبيعة الجديدة التي تشتاق لحياة القداسة وتختبر النصرة على الخطية والعادات السيئة.

ثالثا: الرجاء الحي “لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ”

هذا الرجاء مبني على قيامة يسوع المسيح من الموت. وهو رجاء حي لأنه مبني على المسيح الحي، يتفاعل مع حياتنا وظروفنا في كل أيام حياتنا، وبصفة خاصة في ايام اليأس وفقدان الأمل، ليملأ حياتنا بالرجاء. كما انه رجاء إلهي اي انه حقيقي ومؤكد. وهو عكس الرجاء الذي يعطيه العالم المبني على الخداع والكذب والزيف.

رابعا: الميراث الأبدي “لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ”

هذا الميراث الأبدي لا يفنى كما تفنى وتدمر مدن وحضارات العالم اثناء الحروب والغزوات. ولا يتدنس مثلما تتدنس الأشياء عندما تفسد او تتلف، كما هو الحال في صدأ المعادن وفي فساد الطعام. لكن الميراث الأبدي لا يمكن ان يتدنس. الميراث الأبدي ايضا لا يضمحل اي يختفي ويتلاشى بريقه ولمعانه كما تتلاشى الألوان. إنما هو ميراث محفوظ في السماوات اي مؤمّن، فلا يقدر احد ان يأخذه او يتلفه.

عندما تكلم الرسول بطرس هنا عن الميراث الأبدي، ربما كان في ذهنه ما قاله الرب يسوع عن كنوز الأرض وكنوز السماء: “لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ،” (متى 6: 19، 20)

قد يفكر الإنسان كثيرا في ميراثه الأرضي، متى سيحصل عليه وماذا سيفعل به. قد يحتاج ان يلجأ إلى القانون او ان يتصارع مع اخوته واقاربه كي يحصل عليه. ولكننا لا بد وان ندرك انه في كل الأحوال هو ميراثا ارضيا و لا بد له ان يفنى ويتدنس ويضمحل. لكن الله قد اعد لنا ميراثا سماويا ونقدم الشكر الدائم لله من اجل انه جعل لنا نصيبا في الأبدية معه ونحن لا نستحق.

خامسا: قدرة الله على حماية الوارثون “أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ”

كلمة “محروسون” هي كلمة تستخدم في الجيش لتوضح انتشار العساكر بطريقة معينة حتى يحامون او يدافعون عن هدف معين مطلوب حمايته. وهذا يعطي رجاء عظيم للذين يمرون في ضيقات والام. فالله يرسل جيوش ملائكتة من السماء حتى يحمي الوارثين لينالوا ميراث خلاصهم. الله قادر ان يحمي الوارث لكي ما يحصل على ميراثه الأبدي.

بطرس لا يعتقد في مصطلح “برودة محبة المؤمن”، ولا يعترف بتراجع حماس ورغبة المؤمن عن تقديم العبادة والشكر تحت اي ظرف من الظروف. فالمواطن السماوي الذي يختبر محبة الله العجيبة، و الميلاد الثاني وحياة القداسة، ويعيش بالرجاء الحي، وينتظر ميراثه الأبدي بثقة وصبر، ويثق في حماية الله لتتميم خلاصه، يجد نفسه دائما في حماس دائم ورغبة مستمرة لتقديم العبادة والشكر والتسبيح لهذا الإله الرائع العظيم.

 

Rev. Nashaat William Khalil