لماذا انت هنا؟

Jul 22, 2017

تساؤل يطرحه الرب للإنسان في بعض مراحل حياته بهدف تصحيح المسار او تغير الإتجاه. فالرب يأتي إلينا في أوقات نختار فيها بإرادتنا ان نعيش خارج إرادته، وخارج طرقه، وذلك ربما لأن توقيتات الله غير توقيتاتنا، وطرق الرب غير طرقنا، فليس لدينا الرغبة ان ننتظر الرب، او نسلك في طرقه، بل نسلك بحسب توقيتاتنا وطرقنا. لكن شكرا لله الذي لا يتركنا تائهين، نسلك بحسب استحسانا ورغباتنا، فيأتي إلينا، ويفتح عيوننا واذهاننا، لنعرف من اين سقطنا ونتوب، ونغير مسارنا.

لماذا انت هنا يا قايين في طريق الغيرة والغيظ والكراهية، ضد اخيك؟ الم يكن من المفروض انك في طريق عبادتي حيث الحب والغفران؟

تحدث الرب مع قايين، عندما سقط وجهه وامتلأ قلبه بالغيظ والكراهية، عندما قبل عبادة وتقدمة هابيل، ولم يقبل عبادة وتقدمة قايين. ولربما كانت إجابة قايين للرب: “انا هنا لأني لا افهم طرقك ولا توقيتاتك. كيف ترفض تقدمتي بعد كل ما فعلته لك وتقبل تقدمة هابيل اخي؟  لذلك قررت ان اسير في طرقي انا، وافعل ما اراه مناسب لي لإستعادة كرامتي ومكانتي وسط عائلتي، ولأتخلص من الغضب والغيظ الذي يملأني.

حاول الرب ان يستعيده مرة أخرى لمشيئة وطرقه. ولكن مع الأسف، لم يستمع قايين لكلام الله، بل ذهب وقتل هابيل أخيه، وخرج من “لدن الرب” كما جاء في سفر التكوين والأصحاح الرابع.”

لماذا انت هنا يا يونان في طريق ترشيش؟ ألم تكن من المفروض في طريقك الآن إلى نينوى؟

الطريق من يافا إلى نينوى حوالي 550 ميل (885 كم) في اتجاه الشرق، بينما من يافا إلى ترشيش حوالي 2,500 ميل (4023 كم) في اتجاه الغرب.

ولنتخيل ان إيجابة يونان كانت كالآتي:  “أنا هنا لأن طرقك غير طرقي، وانا لا افهمها. كيف تطلب مني ان اغفر لأعدائي و أتمنى لهم الخير؟ لم اكن اتخيل أنه من الممكن ان تمنح غفرانك وخلاصك لأمة وثنية بهذه السرعة. لذلك ارغب ان اسير في طرقي أنا”.

كشف يونان عن سبب مقاومته للذهاب إلى نينوى، لأنه كان يتمنى هلاك أهلها، وعدم حصولهم على الغفران. فلم يكن اليهود يريدون ان تشاركهم الأمم في عبادة الله. ونجد هذا الأمر أيضا إلى أيام الرسول بولس: “يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ الأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا، حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَةِ” (2 تسالونيكي 2: 16).

لم يهتم يونان بمجد الله، او تتميم رغبته ومشيئته، اكثر من اهتمامه بسمعته الشخصية، ورضا الناس عنه. لقد احب مجد نفسه اكثر من مجد الله. لكن الله رحيم ويرغب في خلاص الخطاة ويهتم بهم جدا، وينتظرهم على اخر لحظة، كما فعل مع اللص على الصليب.

لماذا انتما هنا يا تلميذي عمواس تسيران في طريق عمواس؟ الم يجب ان تكونا الآن في طريقكما إلى الجليل؟

لقد انتظرا في اورشليم حتى يوم أحد القيامة، وبدلا من ان يذهبا إلى الجليل، مع باقي التلاميذ، حيث قال لهم الرب: “وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ” (مرقس 14:  28)، رجعا إلى مدينتهما عمواس. لم يكن المسيح بالنسبة لهما، الا شخصا ميتا، فكيف لهما ان يلتزما بموعد مع شخصا ميتا!

لكن الرب لم يتركهما يسيران في الطريق الخطأ، كما لم يترك قايين، او يونان، بل وجميع أولاده في كل زمان ومكان، فتقابل معهما وفتح ذهنيهما حتى يفهما الكتب، كيف كان يجب ان المسيا يتألم ويصلب ويموت، ثم يقوم في اليوم الثالث. انفتحت اعينهما، وإعترفا بعدم إيمانهما، ثم قاما ورجعا إلى أورشليم  ” فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ، هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ  وَهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ!” (لوقا 24: 33، 34)

لماذا انت هنا يا إيليا؟ الم يجب ان تكن الآن في مواجهة مع إيزابل نبية البعل؟

بعدما نزلت نار من عند الرب لتأكد ذبيحة إيليا، عرف الشعب ان الرب هو الله، وان انبياء البعل كانوا كذابين ومخادعين، فقام كل الشعب عليهم وقتلوهم. إعتقد إيليا انه بموقعة جبل الكرمل، وحضور مجد الله بهذه القوة، ان الأمور قد حسمت تماما، وان اخاب وايزابل والشعب سوف يعلنوا خطأهم امام الله ويتوبوا، ويرجعوا مرة أخرى لعبادة الله الحي. كان ينتظر إيليا تكليل تعبه وخدمته بالنجاح و.لكن توقعاته وحساباته لم تتحقق. فلما علمت إيزابل بما فعله إيليا، أرسلت إليه رسلا لتخبره ان ما فعله بأنبياء البعل، ستفعله به ايضا. (1 ملوك 19: 1، 2)

فهرب إيليا من عند جبل الكرمل، ثم إلى يزرعيل، ومنها إلى بئر سبع، ثم جنوبا إلى جبل حوريب (المسافة من جبل الكرمل إلى بئر سبع، ثم إلى جبل حوريب حوالي 200 ميل او 322كم). ومن الواضح انه كان لديه مشاعر غضب ممتزجة بيأس واحباط، حتى انه طلب من الرب الموت لنفسه. وصل إيليا إلى نقطة النهاية في صبره، وتحمله، واعتقد انه يكفي ما قدمه في حياته من عطاء وخدمة، وعلى الرب ان يأخذ نفسه، وان يبحث عن شخص آخر ليكمل ما ابتدأه. لكن الرب لم يتركه او يتخل عنه، بل ذهب إليه وتكلم إليه على جبل حوريب: “وَدَخَلَ هُنَاكَ الْمُغَارَةَ وَبَاتَ فِيهَا. 10 فَقَالَ: «قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا». 11 فَقَالَ: «اخْرُجْ وَقِفْ عَلَى الْجَبَلِ أَمَامَ الرَّبِّ». وَإِذَا بِالرَّبِّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ الْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ الصُّخُورَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الرِّيحِ. وَبَعْدَ الرِّيحِ زَلْزَلَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الزَّلْزَلَةِ. 12 وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ. 13 فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْمُغَارَةِ، وَإِذَا بِصَوْتٍ إِلَيْهِ يَقُولُ: «مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟» 14 فَقَالَ: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا». (1مل 19: 1- 14)

حاول إيليا ان يقنع الرب، لماذا اخذ هذا القرار، حتى بدون ان يسأله الرب. فقد كان لسان حاله: أنا هنا لأني تعبت من طول الإنتظار، في كل مرة اواجه الشر وانتصر، اعتقد انني وصلت إلى غايتي، وبدلا من الإحتفال بإنتصار الخدمة وبداية موسم الحصاد، اكتشف اني مرة أخرى في حرب اكثر شراسة من سابقتها، وبالتالي يجب ان اعيد المحاولة مرة ثانية، وثالثة، ورابعة. لم اعد اتحمل طرقك ولا توقيتاتك، لم يعد عندي صبر، يكفي ما فعلت، وليأتي غيري ليكمل الرسالة.

لكن الرب كان يريد ان يعرف إيليا  ان طرقه وتوقيتاته وافكاره، مختلفة عن طرق إيليا وتوقيتاته، ولذلك عليه ان يثق بالكامل في مواعيد الله وطرقه وينتظرها، وان يخضع لخطة الله الكلي السلطان ولديه تحكم في كل الظروف.

في رحلة إيليا مع الرب، نجد الرب يدرب إيليا، بطرق مختلفة، حتى يقبل، ويثق، وينتظر، مواعيد الرب وطرقه، والتي قد تبدو غريبة جدا وغير متوقعة.

  • عندما أراد الله ان يرسل طعام لإيليا في وقت الجفاف، عين غرابا ليقوم بهذه المهمة. وما الغريب في هذا؟

الغراب هو طائر يعيش على خطف الأشياء. لكن في هذه المهمة، بعد ان غير الله طبيعته، اصبح الغراب هو الذي يلقي لإيليا الخبز واللحم مرتين في اليوم. هذا الأمر مستحيل حدوثه، لكن كان درسا لإيليا ان الرب لديه طرق ليس لها عدد من الكثرة من اجل خلاصه وحمايته ونجاحه،  وعليه ان يثق في الرب بإستمرار.

  • عندما أراد إيليا ان يهرب لنفسه من بطش إيزابل، طلب منه الرب ان يهرب إلى صرفة صيدا. وما الغريب في هذا؟

صرفة صيدا كانت تقع في أرض أثبعل ملك صيدون، كاهن البعل، والذي كان هو نفسه أبو إيزابل الشريرة التي كانت تبحث عنه حتى تقتله .هل يستطيع احد ان يصدق هذا، ان يهرب إيليا ليحتمي في ارض اعدائه؟

مرة أخرى أراد الرب ان يثق إيليا به وبطرقه التي في كثير من الأوقات، تكون عكس كل توقعات الإنسان، ولا تستطيع العقول البشرية ادراكها

  • عين الله ارملة من صرفة صيدا معدمة فقيرة جدا، كي ترعاه. وما الغريب في ذلك؟

    كان هناك جفاف في كل المنطقة، وكانت هذه الأرملة فقيرة للغاية، و ليس عندها ما يكفي لنفسها او لابنها، فكيف لها ان ترعى شخصا اخر. وبالرغم من هذا، نجد ان الرب يرسل إيليا عندها لترعاه، ولم يرسله الرب إلى احد من الأغنياء الذي كان ولابد لديه مخزون من الطعام والماء لمواجهة هذا الجفاف.

وهذه مرة أخرى يظهر فيها الرب ان طرقه وافكاره مختلفة عن طرق إيليا وافكاره. وان الرب لديه عدد لا يحصى من الطرق والوسائل التي ستنجح مهمة إيليا مهما واجه من شرور وتحديات.

  • الأرملة الفقيرة تعطي لإيليا كعكة صغير أولا (حق الله أولا) قبل ان تأخذ لها ولإبنها….. وما الغريب في هذا؟

هذه المرأة برغم الفقر والإحتياج، لم يكن عندها ما يكفيها هي وابنها لكي تعيش، إلا انها وثقت في الله واعطت إيليا من إعوازها. هناك من عنده الكثير، ولو اعطى، فالكثير الذي عنده لن يتأثر، لكنه بالرغم من ذلك، لا يرغب في العطاء، ولو بالقليل من اجل مساعدة الآخرين.

مرة أخرى يقف إيليا في اندهاش من طرق الرب وافكاره، و التي لا يقدر ان يراها او يتوقعها. لكن الله يصنعها من اجل إنقاذه وخلاصه  فهناك طرق لخلاصه وانقاذه وانجاح مهمته.

  • عندما تكلم الله معه، لم يتكلم من وسط الرياح، ولا من وسط النار، او الزلزال، بل بصوت همس، منخفض. وما الغريب في هذا؟

توقع إيليا ان الرب يتكلم فقط في بروق ورعود ونار وزلزال، كما تكلم مع موسى على نفس الجبل، جبل حوريب. لكن الرب تكلم إليه بصوت همس منخفض، بطريقة لم يتوقعها إيليا.

ومرة أخرى يؤكد الرب لإيليا ان لا يغضب ولا يكتئب ولا يحبط  ولا ييأس إذا كان كل ما يراه من حوله لا يظهر اي خير او امل، واذا كان الشر يبدو وقد سيطر وانتصر، لأن الرب، خلاصه اكيد، سيأتي للإنقاذ حتما للإنقاذ.  لكن إيليا يحتاج ان يثق في الرب، وينتظر بصبر، ولكن ايضا بتوقع مجيئه.

عندما نقف أمام عناية الله ينبغي أن نلغي من أذهاننا كل مفهوم للحساب الأرضي، وقواعده، واوصوله، وان نعلن ثقتنا الكاملة في قدرة الرب على الخلاص، وننتظر توقيتاته.

والرب يسألنا نفس السؤال عندما لا نسير بحسب مشيئته وفي الطريق الذي عينه لنا، فنسعى لتحقيق اهدافنا ومصالحنا بطرقنا الخاصة: الكذب، عدم الأمانة، تجريح الآخر، الانتقام، الكراهية… فلا نسير في طرق الله، وننتظر توقيتاته، والتي تبدوا بعيدة ومستحيلة في بعض الأوقات

في ارض الآلام والمتاعب والمجاعات والحروب، هناك ينابيع العناية الإلهية التي لا تنضب، لهؤلاء الذين يلجأون إلى الرب، ينتظرون توقيتاته بصبر، ويسلكون في طرقه الغريبة والعجيبة.

ق. نشأت وليم خليل