مزمور 119(ج) : 17- 24

Mar 31, 2016

17. أَحْسِنْ إِلَى عَبْدِكَ، فَأَحْيَا وَأَحْفَظَ أَمْرَكَ.18. اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ. 19. غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ. 20. انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ. 21. انْتَهَرْتَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمَلاَعِينَ الضَّالِّينَ عَنْ وَصَايَاكَ. 22. دَحْرِجْ عَنِّي الْعَارَ وَالإِهَانَةَ، لأَنِّي حَفِظْتُ شَهَادَاتِكَ. 23. جَلَسَ أَيْضًا رُؤَسَاءُ، تَقَاوَلُوا عَلَيَّ. أَمَّا عَبْدُكَ فَيُنَاجِي بِفَرَائِضِكَ. 24. أَيْضًا شَهَادَاتُكَ هِيَ لَذَّتِي، أَهْلُ مَشُورَتِي.

يمكننا تقسيم هذا الجزء إلى اربعة نقاط:

1بركات الرب وإحساناته عظيمة جدا … كلمة الرب تفتح العيون لتدركها 17، 18:

“أَحْسِنْ إِلَى عَبْدِكَ، فَأَحْيَا وَأَحْفَظَ أَمْرَكَ. اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ”

بركات الرب واحساناته تأتي إلينا حتى نشهد عنه ونطيع وصاياه في هذا العالم. لكن مع الأسف كثيرون من كثرة اطماعهم وتزمرهم وإحتياجاتهم المستمرة لا يستطيعون ان يروا إحسانات الرب بصورة واضحة. فهناك عيون مفتوحة لكنها لا تبصر كما قال أشعياء.

فقد ابصر شعب إسرائيل عجائب الله في القديم، و بذراع قوية اخرجهم من مصر، ارسل إليهم المن والسلوى والماء، لإشباع إحتياجاتهم الجسدية كل يوم، وايضا حماهم من وحوش البرية ومن المخاطر المحيطة بهم طول فترة 40 سنة، طول فترة رحلتهم  في البرية . إلا انهم تمردوا وانكروا، لأن عيونهم لم تقدر ان ترى احسان الله عليهم وكيف قادهم ورعاهم كل هذه السنين:

“… فَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْضًا وَبَكَوْا وَقَالُوا: «مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ قَدْ تَذَكَّرْنَا السَّمَكَ الَّذِي كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي مِصْرَ مَجَّانًا، وَالْقِثَّاءَ وَالْبَطِّيخَ وَالْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ. وَالآنَ قَدْ يَبِسَتْ أَنْفُسُنَا. لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ أَنَّ أَعْيُنَنَا إِلَى هذَا الْمَنِّ!». عدد 11: 46

وَتَكَلَّمَ الشَّعْبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى مُوسَى قَائِلِينَ: «لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ لأَنَّهُ لاَ خُبْزَ وَلاَ مَاءَ، وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ».  عدد 21: 5

هناك امورا عظيمة تحدث في حياتنا، لكننا لا نشعر بها، ولا نقدر قيمتها. فعيوننا تراها طبيعية او مجرد حظ او صدفة، او حق، ولكنها لا تستطيع ان تراها كبركات إلهية. هناك من يسكن في قصور، وعنده خيرات كثيرة، لكن قلبه غير شاكر، ولا يستطيع ان يرى بركات الله في حياته. دائم التزمر وغير مكتفي بما عنده. دائما النظر لما ليس عنده. بينما هناك من يعيش على الكفاف، لكنه يرى إحسان الله اليومي من خلال القليل الذي عنده، الصحة، الأهل، الزوجة، الأبناء، الغذاء اليومي، الخ، ويقدم الشكر بإستمرار.  

لذلك احتاج كاتب المزمور، كما نحتاج نحن ايضا، ان يفتح الله عينه، حتى يرى حضور الله وامانته ومحبته في وسط المضاياقات والمخاطر المحيطه به. ففتح العيون، وإدراك معية الله هي عمل إلهي معجزي و إستجابة إلهية لصلاتنا وشهوة قلوبنا.

2المؤمن يعيش كغريب في رحلة الحياة … كلمة الرب تعطي إرشادات الله لتكميلها

19. غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ

ينتقل كاتب المزمور إلى نقطة هامة اخرى. فيرى نفسه في رحلة ويحتاج إلى خريطة وإشارات حتى لا يضل عن الطريق، بل يذهب إلى غايته المنشوده. لذلك فهو يحتاج إلى كلمة الرب حتى يعرف الطريق إلى الحياة ويسلك فيه.

ونحن ايضا لابد وان نرى حياتنا مجرد رحلة وستنتهي. فلا نعتقد اننا نعيش فيها إلى الأبد، فنطمع ونشتهي وننحرف عن غرض وغاية الرحلة. كلمة الله تعرفنا الطريق وكيف نسير فيه، وايضا تعرفنا أماكن العقبات والتجارب وكيف نتجنبها. يجب ان ندرك اننا غرباء سائحون في رحلة نحتاج إلى دراسة الخريطة الإلهية بإستمرار لنعرف الطريق.

ماذا يحدث إذا لم ندرس الخريطة؟

نتخبط بكل تأكيد ونتعرض للخطر، وسنخطئ في بلوغ غايتنا الحقيقية.

عزيزي اذا كنت تتسائل عن الطريق الذي يجب ان تسلكه، وعن كيفية التعامل مع الصعوبات والضيقات التي تواجهها اثناء الرحلة، وكيف تعيش بإستقامة قلب في عالم ملئ بالشر والخطية، مميزا بحكمة سماوية الطرق التي قد تظهر مستقيمة، لكنها ليست كذلك بل نهايتها آلام وأحزان وموت وهلاك، والطريق الذي نهايته حياة و يصنع سلام وفرح،

والإجابة الوحيدة لجميع هذه التساؤلات، هو التعرف على كلمة الله والتمسك بها. لذلك نحتاج إلى الكلمة المقدسة حتى نعرف الطريق ونسلك به.

3المؤمن معرض للإهانات والمعايرة بسبب إيمانه وتمسكه بفرائض الله… كلمة الرب تجهز وتعد الإنسان للتحمل 22، 23

“دَحْرِجْ عَنِّي الْعَارَ وَالإِهَانَةَ، لأَنِّي حَفِظْتُ شَهَادَاتِكَ. جَلَسَ أَيْضًا رُؤَسَاءُ، تَقَاوَلُوا عَلَيَّ. أَمَّا عَبْدُكَ فَيُنَاجِي بِفَرَائِضِكَ”

 من الواضح ان كاتب المزمور ليس غريبا عن الألام والأتعاب حيث ان إيمانه بهذه الأفكار، وتمسكه بالله وبحفظ شهاداته، قد سبب له عار ومهانة وايضا عرضه لمخاطر لمواجهات مع الرؤساء والذين في مناصب.

قال الرب يسوع لتلاميذه هذه الكلمات: “… قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا. سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ. وَسَيَفْعَلُونَ هذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي.لكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ …” يوحنا 16: 14

4الإضطهادات، والمعايرات، والإهانات تحاول إضعاف المؤمن … كلمة الرب تزيد المؤمن صلابه وقوة إيمان 20، 24

انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ. أَيْضًا شَهَادَاتُكَ هِيَ لَذَّتِي، أَهْلُ مَشُورَتِي

 ولكننا نرى في نهاية المزمور ان كل هذه السخريات والإهانات والمقاومات لم تصنع معه إلا تشجيع وتقوية عزيمته وشوقه الشديد لكلمة الله والتلذذ بها. فكلمة الرب بالنسبة لكاتب المزمور هي مثل شخص يستشيره بصورة مستمرة “أهل مشورتي”

قال الرب يسوع لتلاميذه هذه الكلمات في الموعظة على الجبل:طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ.” متى 5: 1112

صلاة: افتح يارب قلبي فاضع كلامك به حتى لا اضل الطريق إلى الأبدية. إفتح يارب ذهني حتى اعرف أني غريب في هذه الأرض وأني سأتركها بكل تأكيد في يوم ما. وإفتح يارب عيني فأرى قوة كلامك وعجائب كلمتك في حياتي، وأراك معي في كل حين فلا اتزعزع.

ق. نشأت وليم خليل